فكروا بسرعة في ما يجعلكم سعداء جدا. المزيد من المال؟ خطأ. طفلان إلى ثلاثة أطفال مبتسمين ومتكيفين جيدا؟ أخطأتم مجددا. والآن فكروا في أكثر ما يجعلكم تعساء: فقدان بصركم أو آلام الظهر؟ لا، آلام الظهر. الحقيقة هي أننا نسيء تمييز مصادر الفرح. (الجنس هو الاستثناء الوحيد، لكنكم فهمتم قصدي). وأيا كانت الخيارات التي نتخذها، فغالبا ما نقرر لاحقا أنها كانت لمصلحتنا. هذه تحليلات علم اقتصاديات السعادة، وهو المجال الذي يلقى أكبر اهتمام فيما كان يسمى بعلم الاقتصاد. إن السعادة تشغل بال الجميع في كل مكان ـ إنها على لائحة الكتب الأكثر مبيعا، وفي أذهان صانعي السياسات، وفي صلب اهتمامات علماء الاقتصاد ـ لكنها لا تزال بعيدة عن متناولنا. لطالما كانت القاعدة الذهبية في علم الاقتصاد أن الرفاهية مرتبطة بالدخل. لهذا السبب تسعى الدول والناس إلى تحقيق مداخيل أعلى، فالمال يمنحنا خيارات وحرية أكبر. لكن عددا متزايدا من الدراسات يظهر أن الثراء وحده ليس بالضرورة ما يجعلنا سعداء. بعد أن نتخطى حدا معينا من الثراء، لا تزداد سعادتنا. وليس ما نملكه هو المهم، بل ما إذا كنا نملك أشياء أكثر من جارنا. إذن الخبر الصادر قبل أسابيع بأن كبار مديري الصناديق الاستثمارية جنوا 240 مليون دولار كحد أدنى عام 2006، لم يجعلهم أكثر سعادة على الأرجح، بل جعلنا نحن أقل سعادة. والآن يسعى صانعو السياسات لمعرفة ما يجعل الناس سعداء، وكيف يجدر بهم تحقيق ذلك. فبلدان مختلفة مثل بوتان وأستراليا والصين وتايلند والمملكة المتحدة تعد "فهارس سعادة"، لاستخدامها إلى جانب إجمالي الناتج المحلي كدليل على تقدم مجتمعاتها. وفي بريطانيا، تم تعيين عالم في اقتصاديات العمل متخصص في السعادة ـ يدعى ديفيد (داني) بلانشفلاور ـ في المجلس الاستشاري للبنك الإنجليزي المركزي، ومن المرجح أن تبرز "سياسات السعادة" في انتخابات السنة المقبلة. وقد بدأ الوزراء يدرسون علاقة مسائل مثل الفقر والعناية الصحية والنقل بـ"الرفاهية الوطنية الإجمالية". لا يهم أن كبار الباحثين في موضوع السعادة في العالم اجتمعوا حديثا في مؤتمر عقد بمدينة روما لمناقشة ما إذا كان يمكن قياس السعادة حتى. يبدو أن الزخم للتوصل إلى "دولة رفاهية" لا يمكن وقفه. هذا الصيف، سوف تجتمع شخصيات مهمة، بما فيها رئيس وزراء تركيا، وكبير علماء الاقتصاد في البنك الدولي، ورئيس موقع google.org، للبحث في سبل قياس التقدم البشري بصرف النظر عن إجمالي الناتج المحلي. لماذا يحصل كل ذلك الآن؟ إن علماء الاقتصاد وعلماء النفس وعلماء الأحياء والفلاسفة لم يبدأوا بالتعاون إلا في العقد الأخير للتوصل إلى "دراسات السعادة". دانيال غيلبرت، عالم النفس من جامعة هارفارد، يلخص المفاهيم الجديدة بشكل فكاهي في كتابه بعنوان Stumbling on Happiness (مصادفة السعادة). ويقول إن التلفزيون والإنترنت على مدار الساعة أتاحا لنا جميعا رؤية عدد منقطع النظير من الأشخاص الذين يبدون سعداء: "نحن محاطون بصور عن حياة الأثرياء والمشاهير، التي تذكرنا دائما بأن الآخرين يملكون أكثر منا". طبعا، الفكرة القائلة إن المال ليس مفتاح السعادة غير جديدة. فقد جادل جيريمي بنثام، المفكر البريطاني المتأثر بحركة التنوير من القرن الـ18، قائلا إن السياسات العامة يجب أن تحاول زيادة السعادة إلى أقصى حد، وقد وافقه الرأي الكثير من علماء الاقتصاد البارزين لكنهم عجزوا عن تقبل الفكرة تماما، إذ لم يكن هناك طريقة لقياس السعادة بموضوعية. لكن ذلك بدأ يتغير في العقود الأخيرة، مع انتشار الازدهار. فقد بدأ علماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد يمضون وقتا أقل في التفكير بالموت والأمراض، والمزيد من الوقت في التفكير بالسعادة. وراح علماء النفس وعلماء اقتصاديات العمل في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يجرون دراسات طويلة الأمد يطلبون فيها من الناس وصف سعادتهم مع مرور الوقت. في غضون ذلك، أتاح التقدم التكنولوجي للعلماء أن يروا ما إذا كان مركز السعادة في الدماغ يظهر نشاطا عندما يزعم الناس أنهم سعداء. هذا جعل قياس السعادة معقولا أكثر. وإحدى أولى نتائج أبحاث السعادة، التي توصل إليها ريتشارد إيسترلين من جامعة جنوب كاليفورنيا، هي أنه بالرغم من أن الأغنياء أكثر سعادة من الفقراء عادة، فإن ازدياد السعادة بسبب ازدياد المال ليس كبيرا بعد تخطي عتبة الفقر. ويقول إيسترلين إن هذا يعود إلى "دورة المتعة": فنحن نعتاد على الثراء بسرعة، أو نعتبر ذلك من المسلمات أو نقارن ثراءنا بما يملكه الآخرون، وليس بما كنا نملكه سابقا. يبدو أن فكرة مجاراة جيراننا راسخة في أدمغتنا، بسبب جذورنا كمخلوقات تعيش ضمن مجموعات. ومع تقدم هذا البحث، برزت دراسات أخرى عن السعادة والزواج والعمل والأطفال والتلفزيون والهجرة وغيرها. وسرعان ما بدأ الباحثون ـ والسياسيون ـ بالتفكير فيما يمكن أن يجعل مجتمعات برمتها أكثر سعادة. والأمر المفاجئ أن إحدى أولى التوصيات كانت فرض المزيد من الضرائب. في بريطانيا، جادل أندرو أوزوالد من جامعة وارويك بالقول إن فرض الضرائب على الاستهلاك الفـاضح يمكـن أن يــزيد السعــادة العامة من خلال الحد من الحسد. ففي كتابه الذي نشر عام 2005 بعنوان Happiness: Lessons From a New Science (السعادة: دروس من علم جديد)، يحث اللورد ريتشارد لايارد من كلية الاقتصاد في لندن صانعي السياسات على التفكير في الحد من الارتقاء الاجتماعي (الذي يربطه بالجرائم وعدم الاستقرار العائلي)، والطلب من الشركات تخفيض العلاوات (لإبطاء التنافس) وتشجيع الإنفاق العام على الصحة العقلية والتعليم غير المهني الليبرالي "الأخلاقي" (لجعل المتخرجين أقل ميلا للاستهلاك وأكثر تعاطفا). وفيما تثار نقاشات حامية حول هذه الاستنتاجات، ليس مستغربا أن اليساريين في بلدان مثل المملكة المتحدة وأستراليا والولايات المتحدة يتقبلون هذه الأفكار. في بعض أنحاء قارة أوروبا، تلقى الفلسفة الكامنة وراءها رواجا منذ سنوات. لكن اقتصاديات السعادة تكتسب مؤيدين غير متوقعين ــــ كالمحافظين البريطانيين، والبيروقراطيين الصينيين، وملك بوتان ـــ لأنها توفر طرقا للحد من مساوئ العولمة. بدلا من حث الناس على العمل بجهد أكبر، يمكن للسياسيين مناقشة التوازن بين العمل والحياة الشخصية. "يجب ألا نفكر فقط في كيفية ملء جيوب الناس بالمزيد من المال، بل أيضا في كيفية إدخال السعادة إلى قلوب الناس"، كما قال ديفيد كاميرون، الزعيم البريطاني المحافظ في خطاب حديث يقترح فيه فهرسا "للرفاهية العامة" (يصفه بشكل أكثر تفصيلا في الموضوع التالي). لدى تايلند أيضا فهرس كهذا. بعد الانقلاب العسكري الذي حصل السنة الماضية، وعد رئيس الوزراء سورايود شولانونت بأن يزيد من ثراء التايلنديين، وليس فقط من سعادتهم. وقد بدأت الإحصاءات بجمع البيانات المتعلقة بالتعليم والعائلة والعمل والصحة لتحديد مقياس للسعادة يفترض به أن يشكل ركيزة للخطة الخماسية، التي تتضمن الآن المزيد من الإنفاق على المدارس ودعم المجتمعات الريفية المعزولة. وفي الصين، يشكل فهرس السعادة الحكومي الجديد، الذي يفترض أن يصدر في نهاية هذه السنة، جزءا من حملة بكين لخلق "مجتمع أكثر تناغما". كما أن مقياس السعادة الوطنية الإجمالية في بوتان أدى إلى إصدار مراسيم جديدة تقضي بإبقاء 60 بالمائة من مساحة البلد مكسوة بالغابات، وبوجوب إنفاق السياح الأجانب 200 دولار يوميا على الأقل في بوتان، وذلك من أجل وضع حد للسياحة بأعداد كبيرة، التي يُزعم أنها تقلل من مستوى السعادة العام. هذا يظهر مدى سهولة التلاعب بأبحاث السعادة لخدمة أغراض سياسية مريبة. وقد ألمحت دراسات عدة إلى ضرورة إقفال المطارات (كثرة الضجيج تجعلنا تعساء) وإنفاق المزيد من الأموال على الجيش (للإطاحة بأنظمة دكتاتورية بغيضة). في مؤتمر السعادة الذي عقد حديثا في روما، حذر بعض الخبراء من أن أبحاث السعادة قد تستعمل لتعزيز أهداف استبدادية قائلين إن دراسات السعادة يجب أن تستخدم فقط لتوجيه الخيارات الفردية، وليس السياسات العامة. لكن ذلك لم يسر البيروقراطيين في بلدان مثل الاتحاد الأوروبي وتايلند والمملكة المتحدة، الذين كانوا قد حضروا المؤتمر للحصول على نصائح. من الواضح أن الحكومة البريطانية الحالية لم تفهم هذه المفارقة، فحزب العمال الجديد يروج لفلسفة السعادة منذ عام 2001. وقد أنشأت الحكومة حديثا مجموعة وايتهول المعنية بالرفاهية للتوصل إلى مقاييس للسعادة، ومعرفة كيف يمكن للوزراء جعل الناس أكثر فرحا. هناك أيضا مساع مرتبطة بالسعادة في المملكة المتحدة لحظر الإعلانات الموجهة للأطفال، وذلك بهدف مكافحة المادية (وهو أمر فعلته السويد). من المؤكد أن الحكومة البريطانية بذلت جهودا كبيرة كان يفترض بها أن تجعل الناس سعداء في السنوات الماضية. وأهمها (وهو أمر يكاد لا يذكره مشجعو السعادة) الحد من البطالة، فكل الدراسات تقريبا أظهرت أن التسريح من العمل له أسوأ التأثيرات على السعادة عموما. في كتابه الجديد بعنوان Affluenza (مرض الرفاهية)، يقول أوليفر جيمس إن حكومات تاتشر وبلير أثارت اكتئاب البريطانيين من خلال حثهم على سلوك مسار الرأسمالية الأنانية، بدلا من الاقتداء بالنموذج الدنماركي أو الأوروبي. لكن وفقا لروت فينهوفن، وهو أستاذ في جامعة إيرازموس في روتردام، فإن سعادة البريطانيين لم تتغير كثيرا منذ سبعينات القرن الماضي. فالبريطانيون ما زالوا يعتبرون من أسعد المواطنين. وتظهر أبحاث فينهوفن صعوبة إيجاد صيغة وطنية للسعادة. للوهلة الأولى، يبدو أن لائحته لأسعد الأمم تؤكد الاعتقاد السائد، فالبلدان الاسكندنافية مثل الدنمارك وفنلندا وأيسلندا تتمتع بأعلى معدلات السعادة. لكن فينهوفن يقول إن تلك البلدان ليست الأكثر سعادة لأنها الأكثر مساواة أو الأكثر اهتماما بالرعاية الاجتماعية. أيسلندا، مثلا، أكثر سعادة من السويد، لكنها لا تنفق سوى نصف ما تنفقه السويد على الرعاية الاجتماعية. فضلا عن ذلك، فإن سعادة سكان البلدان الأوروبية الاشتراكية مثل بلجيكا تضاءلت خلال السنوات الأخيرة الماضية، في حين أن سكان الولايات المتحدة الطامحين إلى الارتقاء الاجتماعي يزدادون سعادة. ومع أن الكثير من الباحثين المختصين بالسعادة يقولون إن "التخفيف من العمل، وزيادة اللهو" هما سر السعادة، فإن أبحاث فينهوفن تشير إلى عكس ذلك. فالأمريكيون الذين يكدون في العمل يحتلون المرتبة الـ17 على لائحته» في حين أن الفرنسيين المحبين للعطلات يحتلون المرتبة الـ39. إن البشر يريدون شبكة أمان على الطريقة الأوروبية، لكنهم يريدون أيضا الحرية والفرص. في دراسة حديثة بعنوان "هل الإنسان محكوم عليه بالتقدم؟"، تبين لأستاذة علم الاقتصاد في جامعة السوربون كلوديا سينيك أنه عندما يطمح الناس إلى نوعية حياة أفضل، يشعرون بالسعادة في غضون الأشهر الـ12 التالية، سواء بلغوا السعادة أم لا. تقول سينيك: "هذه الدراسة تشير إلى أن النمو أمر مجدي"، وإجمالي الناتج المحلي ليس مؤشرا مضللا بشأن الرفاهية بقدر ما يُعتقد. في الحقيقة، إجمالي الناتج المحلي دقيق فيما يتعلق بترتيب البلدان الأكثر السعادة. يقول بول دولان، وهو عالم اقتصاد من إمبريال كوليدج يعمل مع وزارة التجارة والصناعة على مقاييس السعادة: "إحدى أكبر المشاكل بالنسبة إلى صانعي السياسات هي وجود الكثير من المتغيرات عند قياس السعادة. فالمعلومات العلمية غير واضحة". وكما في أي استطلاع، فإن صياغة الأسئلة وجنسية الأشخاص الذين يشملهم الاستطلاع تؤثر على النتائج. يقول لنا العلماء إن الطقس يؤثر إلى حد كبير على السعادة (سكان إيطاليا وكاليفورنيا يستفيدون من ذلك)، وكذلك العوامل الوراثية. وفي الوقت نفسه، هناك أنواع مختلفة وكثيرة من السعادة، المتعة قصيرة الأمد، والمعنى المستمد من العمل، وحس أعمق بأن للحياة هدفا ساميا ربما يتأتى من المعتقدات الدينية أو الروحية. أي من هذه الأنواع يتم دراستها؟ وأي منها يجب دراستها؟ وهل يمكن لأحد أن يصوغ فعلا سياسة عامة فعالة تتمحور حولها؟ إن الزواج والأطفال والسعادة المتأتية منهما تشكل موضوع دراسة مثاليا للإجابة عن هذه الأسئلة. وقد كتب غيلبرت أن الذين يريدون إنجاب الأطفال يعرفون أن تربيتهم ستكون شاقة، لكنهم يعتقدون أنهم سيجعلونهم سعداء جدا. في الحقيقة، تظهر الدراسات عكس ذلك، وأن مستويات السعادة لا ترتفع إلى أن يغادر الأولاد المنزل لمتابعة دراستهم الجامعية (ما يدحض نظرية الفراغ المنزلي بعد مغادرة الأولاد). لكن إذا نظرنا إلى السعادة من منظور أوسع، بدلا من لحظات معينة كنمو أسنان الأطفال، وتغيير الحفاضات، واختيار كيفية إنفاق المال، من الواضح أن الأطفال يضفون معنى على الحياة. إن السياسيين المختصين بالسعادة يعرفون أن دول الرفاهية تحتاج إلى المزيد من الأولاد لسد النقص المستقبلي في العمالة، لكن هل يجب أن يشجعوا نمطا يجعل الناس تعساء، على الأقل على المدى القصير؟ الأمر نفسه ينطبق على الزواج، فالأبحاث تظهر أن الأزواج أكثر سعادة، لكن من غير الواضح إن كان الناس يتزوجون لأنهم سعداء. ليس مهما إن دعم السياسيون سياسات تؤيد الزواج والإنجاب أم لا، لأن الناس يتقبلون هذه المعتقدات المتعلقة بالسعادة طوعا، كجزء من مؤامرة إنماء اجتماعي أوسع نطاقا. يقول غيلبرت: "نحن نتاج جيناتنا ومجتمعاتنا". والتقاليد تتفوق على الأدلة التجريبية التي تشير إلى أن المال والأطفال لا يجعلوننا سعداء. وربما يجب أن تتفوق غريزتنا بشأن السعادة على البيانات المشوشة. لقد زودنا علم اقتصاديات السعادة ببعض القواعد الصعبة والسريعة بشأن الرفاهية، الفقر سيئ، وقضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة جيد (الأوقات العائلية التي لا تتضمن تغيير الحفاضات طبعا). وهناك حتما طرق كثيرة للحد من الفقر وتحفيز النمو وتحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة بقدر ما هناك حكومات تقترحها. الخبر الطيب هو أنه مهما كانت الخيارات التي نتخذها كأفراد وكمجتمعات لتحقيق السعادة، من المحتمل جدا أن تبدو أفضل عند النظر إليها لاحقا. لكن ثمة حقيقة أخرى عن السعادة وهي "أننا كلنا نضع نظارات وردية عندما يتعلق الأمر بالقرارات التي اتخذناها في الماضي"، كما يقول غيلبرت. الخيار البغيض الذي علينا اتخاذه اليوم من المحتمل أن يبدو مصادفة سعيدة في المستقبل.
بمشاركة كويندلن كروفاتين في بكين
تاريخ النشر: الثلاثاء 15/5/2007
|