في هذا العدد
رسائل
دعم الفقراء

قضية دعم الفقراء أعيت الحكومة المصرية الرشيدة التي لم تفكر بصدق إلا في دعمها اللامحدود للجهاز الأمني.
إننا أمام مناخ خانق يواجه أي تطوير أو إصلاح جدي لتغيير السياسات الخدمية، والسبب في ذلك هو أن النظام في مصر أراد أن يلقي بالكرة في ملعب الشعب ويريح أعصابه تماما، من خلال تقديم دعم نقدي محدود له في مواجهة أسعار يعلم خبراء النظام الأذكياء أنها في ارتفاع مجنون، لتصبح المعادلة بعد ذلك: صرخات شعبية لرفع الدعم المادي، واستجابات ضعيفة للغاية من قبل النظام الحاكم الذي لا يستطيع مواجهة أسعار السوق.
إنني أرفض الدعم النقدي وأطالب بالاستمرار في توفير الدعم السلعي للفقراء، والتفكير في كيفية تأمين وصوله إليهم، بدلا من الانشغال الأمني بملاحقة الإخوان المسلمين والمعارضين والطلاب والعمال والقضاة والتضييق عليهم. وأزعم أن الدولة لو وفرت كل هذا الجهد السلبي الذي تبذله في المواجهات سالفة الذكر، وخاصة في المحاكمة العسكرية المفبركة الدائرة الآن، لاستطاعت بحهازها الأمني والإداري أن توقف حيتان الدعم السلعي في محافظات مصر عن سرقة دعم الفقراء ومحدودي الدخل.
وأريد أن أسأل النظام الحاكم عن أعداد المستشارين الوهميين في وزارات مصر، وعن أعداد العربات المليونية التي تسير أمام المسؤولين، وعن الملايين التي تصرف على الديكورات السنوية لبعض المسؤولين، وعن الملايين التي تنهب في كل محافظات مصر تحت ستار تطوير الطرق وميادين عواصم المحافظات، والتي يتم تطويرها من دون وعي أو حاجة. فكل هذا المال وغيره إذا وجّه نحو الشعب فلن يصبح الدعم صداع في رأس النظام الذي يعتمد على خبراء سوء يخططون لخراب البلد بذكاء منقطع النظير.
حسن محمود القباني
مصر

مازال في الكرسي بقية

مازال في الكرسي بقية لتداركه، ومازال الوقت المتبقي كافيا ليلتقط الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أنفاسه من جديد إذا ما بادر بانتشال بقاياه من الغرق الوشيك.
مشكلة صالح أنه يلج أبوابا غير تلك التي كان يؤمل منه ولوجها.
وبدلا من أن يلج الباب الصحيح ويأتي المشاكل من أبوابها، يتسلق السقوف والجدران وينفذ من الشبـابيـك، وهي طريقـة خاطئة في نظر حيدر العطاس الذي قال لصحيفة الحياة إنه "لايوجد جدية في حل المشاكل ولا أمل في العودة مادامت الحلول مبسترة وسطحية".
الرجل الذكي الذي أنضجت وجوده التحالفات وقدرته على "تظبيط" العلاقات واللعب على نشاز التناقضات يبدو اليوم رخوا أمام ما أنتجته سياساته من أزمات. فحرب عام 1994 لم تعد نصرا له ضد أقوى منافس كان يقف أمامه "الحزب الاشتراكي". إنه هزيمة بكل ما تعنيه الكلمة، هزيمة النصر الذي جعله منتشيا إلى حد لم يستطع أن يفيق من نشوته تلك إلا على احتقانات غاضبة وجماهير لم تعد ترى فيه إلا كل مأساة وخطب. الكل ضده، لم يتبق أحد معه إلا ذاته وخطاباته ووسائل إعلامه التي تحاول عابثة ترميم صورته وتنسيقها، بحيث تبدو وكأنها مازالت محتفظة بحيويتها وألقها وتناسقها.
الأحزاب السياسية رغم ضعفها في إطار توحدها "المشترك"، بدأت تستقوي برفض الجماهير لنظامه، وعبثا يحاول صالح أن يبدو قويا إلا أن نبرته الخطابية وملامحه وهو يسرد منجزاته تظهر ما يكمن في جوفه من قلق وخوف.
المتقاعدون يتناسلون حراكا متواثبا. الاشتراكي يتصلب في مواقفه حتى وإن بدت هشة. حرب صعدة لم تنطفئ بعد وأتباع حسين الحوثي مازالوا أقوياء ولديهم استعداد للاستيلاء على صعدة وما يحيط بها حسب تصريحهم الأخير لوسائل الإعلام. قبائل حاشدة صانعة الرئيس تحتشد بقيادة حسين الأحمر وتعلن رفضها لإقصائها من حصة الكعكة، وتلوح بأحقيتها في خلع صالح وإحلال بديل عنه. البيت الداخلي للأسرة الحاكمة يبدو منهارا (كبر الصغار)، وفيه من خفايا الصراع ما لا يرى.
يبدو أن لصالح شريان تاجي قوي يستوعب اندفاع الدم الناجم عن ضغوط ما يحيط به وما يتوجس منه.
هل يستطيع صالح أن يصنع شيئا إنقاذا لنفسه؟
بالتأكيد لديه ما يستطيع به ذلك، هناك أشياء تضمن له النجاة:
ــ التوجه بجدية نحو إصلاح الأوضاع فعلا وليس قولا، وتوجيهات سرعان ما تتلاشى عند أول نزول له من منصة الخطابة.
ــ القبول الحقيقي بالديموقراطية وعدم إفراغها من مضامينها وتزوير صناديق الاقتراع وتحييد الجيش والأمن وعدم الزج بهما في معمعة الانتخابات وقمع المظاهرات والفعاليات السلمية، لأن الزج بالجيش والأمن في أمور كهذه سيدخل البلاد في دوامة لن ينجو منها صالح.
ــ تحييد مختلف وسائل الإعلام والكف عن استخدامها في تلميع وجوده.
يجب أن يختار صالح لنفسه، إن لم نقل الوطن، نهاية مشرفة، لا شك أن بدايته كانت محرقة، فقد اعتلى كرسي الحكم على رؤوس الثعابين، حسب قوله، لكن المؤشرات الراهنة تقول إن نهاية صالح تتشابه مع بدايته إذا ما ظل يفكر بالعقلية ذاتها التي وصل من خلالها إلى الحكم.
الفرص سانحة غير أن القلق أفقده توازنه وأربك تصرفاته، حيث أصبحت غير منطقية ولا تتسق مع الشعارات العريضة التي يرددها في كل مناسبة. الرجل الذكي كثيرا ما فوّت على نفسه الفرص. 13 عاما كانت كفيلة بترتيب وضعه المستقبلي وضمان انتقال الحكم إلى ابنه لكنه قطع كل أمل في ذلك.. أحرق المراحل.
الجنوب اليوم أكثر ثورية وحيوية، ولديه استعداد مسبوق بالتصالح لإدخال صالح في دوامة سحيقة. أحداث سبعينات وثمانينات القرن الماضي أخذت تعود إلى الواجهة من جديد، غير أن الأخطر على صالح هذه المرة أنها ستعود وقد فقد كل حلفائه، والبيت مصاب بالتصدعات، والمناطق الجغرافية التي تقع ضمن نطاقه الجغرافي تقف ضده، فيما يحوم الثلاثة حوله أبناء الشيخ عبدالله.
بالتأكيد الوحدة لا تكتسب أهميتها لدى صالح إلا بمدى بقائه في كرسي الحكم، ولذلك فالتخلي عنها أمر محتمل لديه إذا ما ضمن له الانفصال وضعية البقاء حاكما.
لكن هذا الخيار في نظر السياسيين أضحى صعبا، حيث فقد صالح كل أسباب البقاء ومقومات الوجود سواء كان الوطن موحدا أو مجزءا.
ألا يرحم صالح نفسه ويتدارك ما بقي منه؟.. ربما، ولكن إذا أراد ذلك فعلا.
رداد السلامي
صحفي يمني

تاريخ النشر: الثلاثاء 18/12/2007
حقوق الطبع محفوظة © 2001-2007

www.newsweek.com.kw