في هذا العدد
الوطن حتى الموت
"أتوقع أن أهم شيء سيحدث مستقبلا أن يبدأ الشعب العربي في محاكمة النخب الحاكمة". كانت تلك هي آخر الكلمات التي قالها الدكتور عبدالوهاب المسيري في أحد حواراته مع موقع "إخوان أون لاين" في شهر مايو الماضي، لنفاجأ فجر الخميس الثالث من يوليو برحيل المفكر الكبير والكاتب والمنسق العام لـحركة "كفاية" تاركا صدى أفكاره يتردد فينا في مرحلة حرجة من عمر الوطن.
تولى في يناير 2007 مسؤولية المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، وهي الحركة المعارضة للتوريث وسياسات النظام الحاكم والساعية إلى تغييره بالطرق السلمية ليكتمل عطاؤه للوطن. ولم يكتف المسيري بالجلوس بين دفتي الكتب العظيمة التي ألفها، إنما لعب دورا محوريا في التصدي للنظام الحاكم حتى وصل الأمر إلى قيام قوات الأمن باختطافه وزوجته وآخرين في مظاهرة في 17 يناير ضد الغلاء في ميدان السيدة زينب بالقاهرة.
لم يصل الأمر إلى ذلك فحسب، فقد تجاهلت الدولة علاج الفقيد على نفقتها بعد ابتلائه بمرض سرطان الدم، إلا أن الأمير عبدالعزيز بن فهد تكفل بنفقات علاجه التي شملت عملية زرع نخاع تكلفت وحدها 1.5 مليون جنيه.
وأعلن حينئذ أنه كتب طلبا حول هذا منذ سنوات عدة وسلمه لصديقه أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري في عهد حكومة عاطف صدقي، لكن لم يرد أحد عليه، مشيرا إلى أنه عام 2003 علم من إحدى تلميذاته الصحافيات أن زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية أخبره أنه سيتم النظر في طلب علاجه على نفقة الدولة، وحتى الآن لايزال تحت الدراسة.
وكان الفقيد أصيب بهذا المرض خلال المرحلة الأخيرة من تأليفه لموسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" التي ظل يخط فيها عصارة فكره على مدى 20 عاما. ولم يبدأ في العلاج منه إلا بعد انتهائه من الموسوعة التي قضت على جميع مدخراته.
لم يصل تعامل النظام المصري معه إلى هذا الحد، بل ألغت السلطات الأمنية ندوته حول "تصنيف وتحليل النكتة" في 18 مارس العام الماضي مما اضطره إلى عقدها على الرصيف، مؤكدا أنه لايتصور أن نظاما يخشى النكتة إلى درجة منعها.
ولم يصمت المفكر الكبير على ما يحدث أمامه في الوطن حيث طالب الرئيس المصري حسني مبارك بعدم الإنصات لمستشاريه، مطالبا إياه بأن يقرأ الواقع المصري قراءة جيدة لكي يعرف أن الشارع المصري في حالة غليان.
وكان للفقيد موقف معارض من التعديلات الدستورية عام 2005، مؤكدا أنها هجمة شرسة ضد الديموقراطية وضرب لكل المكتسبات الموجودة في الدستور الحالي، وقال في أحد بياناته عبر حركة كفاية تعليقا عليها: "إن مصرنا العزيزة في خطر".
على الصعيد الفكري برز اسم الفقيد في أبحاث الصهيونية واليهودية، فكان أول كتبه هو نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني (1972)، وأصدر بعده موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية (1975)، كما صدر له عام 1981 كتاب من جزأين تحت عنوان الإيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة. وفي هذه الفترة صدرت له دراسات عدة باللغة الإنجليزية من أهمها كتاب أرض الوعد: نقد الصهيونية السياسية (1977).
وبذل خلال 20 عاما جهدا كبيرا ليصدر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (1999)، في ثمانية مجلدات، ليلحق بها بعد ذلك كتب عدة في البحث نفسه، من أهمها البروتوكولات واليهودية والصهيونية (2003)، وفي الخطاب والمصطلح الصهيوني (2003 ـ 2005)، فيما لايزال كتاباه "الفكر الصهيوني من هرتزل حتى الوقت الحاضر"، و"من هم اليهود؟"، و"ما هي اليهودية؟" و"أسئلة الهوية والأزمة الصهيونية" قيد النشر قريبا.
واهتمامات الدكتور المسيري الفكرية تتجاوز الموضوع الصهيوني، بل إنه يعتبر موسوعته مجرد دراسة حالة في إطار مشروعه النظري، حيث صدر له كتاب من جزأين بعنوان إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (1993)، والعالم من منظور غربي (2001)، والفلسفة المادية وتفكيك الإنسان (2002)، والحداثة وما بعد الحداثة (2003)، والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (2002)، ورؤية معرفية في الحداثة الغربية (2006).
وقد ظل الموضوع الأدبي "حبي الأول" ضمن اهتماماته الأساسية، فصدر له كتاب مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي: بعض الدراسات التاريخية والنقدية (1979) وكتب عدة بالعربية والإنجليزية في أدب المقاومة الفلسطينية، واللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود (2002).
ومن الأمور غير المعروفة عن المفكر الكبير أنه له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والبراءة، وقصص عدة للأطفال، ونال عدة جوائز محلية وعالمية عن قصصه وعن ديوان الشعر.
و صدر له عام 2007 كتب عدة في النقد الأدبي: الملاح القديم للشاعر صامويل تايلور كوليردج: طبعة مصورة مزدوجة اللغة (عربي ـــ إنجليزي) مع دراسة نقدية، ودراسات في الشعر وفى الأدب والفكر.
ولقيت بعض أعمال الفقيد رواجا كبيرا في حركة الترجمة المعاصرة حيث تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفارسية والتركية والبرتغالية.
ونال المسيري جوائز عدة منها جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2000 عن موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ثم عام 2001 عن كتاب رحلتي الفكرية، وجائزة العويس عام 2002 عن مجمل إنتاجه الفكري.
حسن القباني
مصر

تاريخ النشر: الثلاثاء 22/7/2008
حقوق الطبع محفوظة © 2001-2007

www.newsweek.com.kw