في هذا العدد
ثمن الديموقراطية
دفع العالم الحر ثمنا غاليا من أجل ترسيخ الديموقرطية في بعض بلدان العالم، حتى صارت هذه البلدان مثلا عظيما في الحرية والعدالة وسيادة القانون، وأصبحت مدرسة يهفو إليها محبو العدل لنيل شرف الوجود فيها وإعادة تجربتها. إلا أن المستبدين في العالم العربي لهم رأي آخر أفسد كل الطرق الشعبية لنيل حقها رغم استمرار المحاولات.
ولعل التوقف مع مشهد جماعة بحجم جماعة الإخوان المسلمين وهي تسعى لإقرار قوة القانون في رفح الفلسطينية ضد محاولات بعض المنفلتين، رغم ضراوة الحصار على غزة، وهي تجري انتخابات "مجالس الشورى" في محافظات مصر رغم ضرورة الاعتقالات ضد أعضائها وقياداتها، يطرح بعدا جديدا في التفكير في أهمية مساندة الاتجاه الديموقراطي للحركات الإسلامية، خاصة إذا كانت بحجم هذه الجماعة.
إن المستبدين يجبرون أوطانهم على الخسارة مرتين في هذه المرحلة الحرجة، فهم يواصلون سياساتهم التي ترسخ للتضييق والاحتقان وقتل الحريات، ويمنعون الحركات الإسلامية من إحداث نقلة نوعية تصل بهم إلى قناعات جديدة في طريقة الحكم، أو على الأقل تحفزهم على مواصلة اجتهاداتهم التي تطور من قراءاتهم وقراراتهم السياسية بما يصب في مصلحة البلاد والعباد وبطرق ديموقراطية لا يعلو عليها فكر متجمد ولا تنسفها تحركات غير إبداعية.
المشكلة هنا، والتي يجب أن نتصارح بها جميعا ونقف معها لندرسها من جديد، هي ما لخصه المفكر الإسلامي الكبير المستشار طارق البشري النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة المصري حيث قال: "إن الديموقراطة بشكل عام لن تكون في مصلحة أمريكا، وإن الإصلاحات التي تطالب بها أمريكا في فلسطين والعالم العربي على عكس معنى الديموقراطية الحقيقي على طول الخط".
هذه المشكلة, كشفها بصراحة أحد أقطاب النظام المصري، والذي يجيد الخطاب مع الغرب، حيث أكد الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالحزب الوطني المصري أن أي انتخابات نزيهة ستخرج 22 نظاما عربيا معارضا لأمريكا ولمصالحها، وهو ما اعتبره القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في مصر الدكتور جمال حشمت في ندوة سياسية بنقابة المحامين الفرعية بمحافظة البحيرة شمال القاهرة أن النظام بذلك قد اختار شعار التزوير، وهو الحل أمام كل محاولات الإصلاح، بالتالي هو يغلق الأفق نحو المستقبل لإجراء انتخابات نزيهة، مشددا في الوقت نفسه على أن الإخوان والقوى السياسية لا يعولون على الخارج في مساعدتهم، وأنه لا مفر سوى أن يحدث حالة من التنسيق والتوافق حول المطالب الرئيسية لإصلاح نظام الحكم وتغييره من أجل الاتفاق على حد أدنى من الحوار.
هذا المشهد لابد أن يضعنا أمام حالة مفارقة عجيبة وحالة من الدهشة وسيل عارم من التساؤلات، لأنه إذا كنا نريد فعلا كعالم حر ومثقفين أحرار توطين الديموقراطية ومحاربة الاستبداد، لايجوز الصمت على هذا الخلل الحادث، لأننا ببساطة سنكون مشاركين في جريمة قتل الأجيال القادمة، خاصة من الحركات الإسلامية صاحبة الشعبيات العريضة في هذه الأوطان.
إن استمرار تقويض الديموقراطية، واحتكارها على بعض القوى من دون السماح بإقرارها على أرض الواقع، يفتح الباب لمزيد من اليأس، وهذا أخطر من القنبلة الذرية، وهو ما يعني أن الديموقراطية يجب أن يصر عليها الجميع بمن فيهم ضحاياها، رغم كونها كالجمر في أيدي الضحايا.
إن ثمن الديموقراطية غال، وإقرارها يحتاج إلى وقت وعقل مبدع وجهد جهيد مخلص وشريف ووطني لمواجهة كارهي العدالة والحرية في هذه الأوطان، من أجل مستقبل أفضل يحمل الخير للجميع.
حسن القباني
مصر

تاريخ النشر: الثلاثاء 29/9/2009
حقوق الطبع محفوظة © 2001-2007

www.newsweek.com.kw